ابن رشد

255

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

كتاب العارية والنظر في العارية في أركانها وأحكامها ، وأركانها خمسة : الإعارة ، والمعير والمستعير ، والمعار ، والصيغة ، أما الإعارة فهي فعل خير ومندوب إليه ، وقد شدد فيها قوم من السلف الأول : روي عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود أنهما قالا في قوله تعالى : * ( ويمنعون الماعون ) * أنه متاع البيت الذي يتعاطاه الناس بينهم من الفأس والدلو والحبل والقدر وما أشبه ذلك ، وأما المعير فلا يعتبر فيه إلا كونه مالكا للعارية إما لرقبتها وإما لمنفعتها ، والأظهر أنها لا تصلح من المستعير أعني أن يعيرها . وأما العارية فتكون في الدور والأرضين والحيوان ، وجميع ما يعرف بعينه إذا كانت منفعته مباحة الاستعمال ، ولذلك لا تجوز إباحة الجواري للاستمتاع ويكره للاستخدام إلا أن تكون ذات محرم . وأما صيغة الإعارة ، فهي كل لفظ يدل على الاذن ، وهي عقد جائز عند الشافعي وأبي حنيفة : أي للمعير أن يسترد عاريته إذا شاء ، وقال مالك في المشهور : ليس له استرجاعها قبل الانتفاع ، وإن شرط مدة لزمته من المدة ما يرى الناس أنه مدة لمثل تلك العارية . وسبب الخلاف : ما يوجد فيها من شبه العقود اللازمة وغير اللازمة . وأما الاحكام فكثيرة ، وأشهرها هل هي مضمونة أو أمانة ؟ فمنهم من قال : إنها مضمونة وإن قامت البينة على تلفها ، وهو قول أشهب والشافعي ، وأحد قولي مالك ، ومنهم من قال نقيض هذا ، وهو أنها ليست مضمونة أصلا وهو قول أبي حنيفة ، ومنهم من قال : يضمن فيما يغاب عليه إذا لم يكن على التلف بينة ، ولا يضمن فيما لا يغاب عليه ، ولا فيما قامت البينة على تلفه ، وهو مذهب مالك المشهور وابن القاسم وأكثر أصحابه . وسبب الخلاف : تعارض الآثار في ذلك ، وذلك أنه ورد في الحديث الثابت أنه قال عليه الصلاة والسلام لصفوان بن أمية بل عارية مضمونة مؤداة وفي بعضها بل عارية مؤداة وروي عنه أنه قال : ليس على المستعير ضمان فمن رجح وأخذ بهذا أسقط